محمد الغزالي

309

فقه السيرة ( الغزالي )

القوم أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصة انتهزوها ، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم « 1 » . وهكذا أفلح المسلمون في فصم عرى التحالف بين الأحزاب المجتمعة عليهم ، فما مضت أسابيع ثلاثة على ذلك الحصار المضروب حتى دبّ القنوط والتخاذل في صفوف المهاجمين ؛ على حين بقيت جبهة المدافعين سليمة لم تثلم . وفي ليلة شاتية عاتية لفحت سبراتها الوجوه والجلود ، وأقعدت الرّجال في أماكنهم ينشدون الدفء ، ويفرّون من القرّ المتساقط على الصخور والرمال ، اتجهت نيات القوم إلى اتخاذ قرار حاسم في هذا القتال الفاشل ! . وكأنّما كان زئير الرياح الهوج سوطا يلهب المهاجمين ، حتى لا يتوانوا في الخلاص من هذا الموقف ، ونظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وراء أسوار المدينة ، وحوله أصحابه جاثمون في مكامنهم يرمقون الأفق بحذر ، ويرقبون الغيب بأمل ، والظلام البارد الثقيل يرين على كلّ شيء في الصحراء المترامية . قال حذيفة بن اليمان : رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه فوقنا ، وبنو قريظة أسفل منّا ، نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أشدّ ريحا منها ، تطن في رياحها أصوات أمثال الصواعق ، وما يتستطيع أحدنا أن يرى إصبعه من قتامها السائد ، ولم يكن عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ، لا يجاوز ركبتي ، فأتاني الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأنا جاث على الأرض فقال : « من هذا ؟ » فقلت : حذيفة ، فقال : « حذيفة ؟ » فتقاصرت في موضعي وأنا أقول : بلى يا رسول اللّه - كراهية أن أقوم ! - فندبني لما يريد ، وقال : « إنّه كائن في القوم خبر فأتني به » . فخرجت ، وأنا أشدّ الناس فزعا وأشدهم قرّا ، فدعا لي بخير ، فمضيت لشأني كأنّما أمشي في حمّام - إنّها حرارة الإيمان ، وحماسة الطاعة جعلت الرجل يغلب بعاطفته المتقدة قسوة الجو .

--> ( 1 ) ذكر هذه القصة ابن إسحاق بدون إسناد ، وعنه ابن هشام : 2 / 193 - 194 ، لكن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « الحرب خدعة » ، صحيح متواتر عنه صلى اللّه عليه وسلم ، رواه الشيخان من حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما ، انظر : الجامع الصغير مع شرحه ( فيض القدير ) ، للمناوي .